ملخص تنفيذي
يتناول هذا المقال إشكالية تحديد الطبيعة القانونية للذكاء الاصطناعي، وهي مهمة تأسيسية تسبق أي نقاش حول المسؤولية المدنية عن أضراره. يدافع المقال عن أطروحة مفادها أن الذكاء الاصطناعي ليس فاعلاً قانونياً مستقلاً، بل أداة تنفيذية متطورة ومنتج تقني مركب. يقدم المقال تشريحاً تقنياً دقيقاً للذكاء الاصطناعي، متتبعاً تطوره التاريخي ومفككاً مفهوم الصندوق الأسود، ثم يفحص التكييفات القانونية الممكنة مع نقد منهجي لأطروحة الشخصية القانونية.
الذكاء الاصطناعي بين الحقيقة التقنية والتكييف القانوني
تمهيد: في ضرورة التحديد التقني قبل التكييف القانوني
من الشائع في الأدبيات القانونية المعاصرة أن يُفتتح النقاش حول المسؤولية المدنية عن أضرار الذكاء الاصطناعي بسؤال من قبيل: "كيف نحمّل الآلةَ المسؤولية؟" أو "هل نحتاج إلى إقرار شخصية قانونية للذكاء الاصطناعي؟".
غير أن هذه الأسئلة، على ما يبدو من وجاهتها الظاهرية، تنطوي على قفزة منهجية خطيرة: إنها تفترض، ضمناً، أن الذكاء الاصطناعي هو "ذات" قابلة للتحميل بالمسؤولية، قبل أن تفحص حقيقته التقنية فحصاً دقيقاً. وهذا القفز من الظاهرة التقنية إلى الحكم القانوني، دون محطة وسطى هي التحديد المفاهيمي، هو الذي ينتج أكثر المغالطات شيوعاً في هذا المجال.
الذكاء الاصطناعي، في كل تجلياته الراهنة، ليس "فاعلاً قانونياً مستقلاً"، ولا يصلح لأن يكون "شخصاً قانونياً"، بل هو أداة تنفيذية متطورة، ومنتج تقني مركب، تخضع أفعاله وأضراره لمنطق القانون المدني القائم على رد الأفعال إلى الفاعلين البشريين والمؤسسيين الذين يقفون خلفه.
السؤال "كيف نحمّل الآلة المسؤولية؟" يفترض مسبقاً أن الآلة قابلة للتحميل بالمسؤولية. هذا الافتراض هو تحديداً ما يجب إخضاعه للفحص قبل أي نقاش قانوني. الطريقة الصحيحة هي البدء بسؤال: "ما هو الذكاء الاصطناعي تقنياً؟" ثم الانتقال إلى: "ما هو تكييفه القانوني؟"
المبحث الأول: التحديد التقني للذكاء الاصطناعي
تعريف الذكاء الاصطناعي وتطوره التاريخي
أولاً: الذكاء الاصطناعي الرمزي (Symbolic AI)
نشأ الذكاء الاصطناعي، كحقل علمي، في خمسينيات القرن العشرين متأثراً بالنموذج المنطقي الصوري للعقل البشري. وسُمي هذا الطور المبكر بـ "الذكاء الاصطناعي الرمزي" أو GOFAI (Good Old-Fashioned AI). يقوم هذا النموذج على فكرة أن الذكاء يمكن اختزاله إلى معالجة رموز (Symbols) وفق قواعد منطقية صريحة يضعها الإنسان.
السمة التقنية الأساسية هنا هي أن النظام لا "يتعلم" من البيانات، بل ينفذ قواعد شرطية (If-Then Rules) صاغها المبرمج يدوياً. فكل مخرج يمكن تتبعه رجوعاً إلى قاعدة محددة وضعها إنسان معين.
- المدخل: بيانات محددة + قواعد صريحة.
- المخرج: نتيجة قابلة للتتبع رجوعاً إلى القاعدة والمبرمج.
- الأثر القانوني: لا توجد أي إشكالية سببية أو إثباتية. الخطأ إما في صياغة القاعدة (مسؤولية المبرمج) أو في إدخال البيانات خطأً (مسؤولية المستخدم).
ثانياً: التعلم الآلي (Machine Learning)
شكّل الانتقال إلى التعلم الآلي قطيعة معرفية مع النموذج الرمزي. فبدلاً من كتابة القواعد صراحةً، صُمم النظام "ليتعلم" أنماطاً من البيانات. يزود المطور النظام بكميات كبيرة من البيانات المصنفة، ويختار خوارزمية تعلم، ويعرّف دالة هدف (Objective Function) يسعى النظام إلى تحسينها.
النظام لا "يفهم" البيانات، بل يكتشف علاقات رياضية إحصائية بين المدخلات والمخرجات. العلاقات التي يكتشفها النظام ليست "قواعد قانونية" ملزمة، بل ارتباطات احتمالية. ومع ذلك، يبقى المطور هو من اختار الخوارزمية، وهو من عرّف دالة الهدف، وهو من اختار البيانات. هذه الاختيارات كلها بشرية وقابلة للمراجعة والمساءلة.
ثالثاً: التعلم العميق والشبكات العصبية (Deep Learning & Neural Networks)
التعلم العميق هو فرع من التعلم الآلي يستخدم شبكات عصبية اصطناعية متعددة الطبقات. وهذا الطور هو الذي أنتج معظم الاختراقات التقنية الحديثة، وهو أيضاً مصدر الخطاب المكثف عن "الصندوق الأسود".
تتكون الشبكة من طبقات من "العصبونات" الاصطناعية، تربطها ملايين أو مليارات من المعاملات (Parameters). أثناء التدريب، تُضبط قيم هذه المعاملات تدريجياً لتقليل الخطأ بين المخرجات المتوقعة والمخرجات الصحيحة. وما ينتج في النهاية هو مصفوفة رياضية هائلة من الأوزان الرقمية.
الأسطورة: "النظام أصبح فاعلاً مستقلاً بذاته، ولا يمكن ردّ أفعاله إلى البشر الذين صمموه."
الواقع: المهندسون هم من صمموا بنية الشبكة، واختاروا دالة الهدف، وضبطوا معدل التعلم، ووفروا بيانات التدريب. كل هذه القرارات بشرية، حتى لو كان من الصعب تتبع أثر كل منها على المخرج الفردي. هذا يولّد حاجة إلى أدوات إثبات جديدة (السجلات، التدقيق) لا إلى الاعتراف بـ "فاعل" جديد.
رابعاً: النماذج التوليدية (Generative AI)
تمثل النماذج التوليدية واسعة النطاق (Large Language Models مثل GPT، وأنظمة نشر الصور) أحدث تجليات التعلم العميق. وهي أنظمة تتنبأ بالعنصر التالي في سلسلة (كلمة، بكسل، صوت) بناءً على أنماط استخلصتها من مليارات الأمثلة في بيانات التدريب. النظام لا "يفهم" النص الذي يولده بالمعنى البشري. إنه يطبق عمليات رياضية لتقدير التوزيع الاحتمالي للكلمة التالية.
الوهم هنا أعمق، لأن مخرجات هذه النماذج تبدو "بشرية". لذا يُنسب إليها، سهولةً، خصائص الفاعل البشري (إبداع، نية، خطأ). يجب على القانوني أن يظل ممسكاً بحقيقة أن هذه كلها عمليات رياضية على بيانات سابقة. إن أخطأت، فالخطأ إما في البيانات، أو في النموذج، أو في طريقة استخدامه، وكلها أفعال بشرية.
مفهوم "الصندوق الأسود": حقيقته التقنية وحدوده
مصطلح "الصندوق الأسود" (Black Box) ليس مفهوماً واحداً في الأدبيات التقنية، ويجب تفكيكه قبل استخدامه قانونياً:
- الصندوق الأسود التقني البحت: يشير إلى صعوبة تتبع مسار قرار محدد في شبكة عصبية عميقة بسبب كثافة المعاملات وتفاعلاتها غير الخطية. هذه صعوبة تفسيرية (Explanatory Opacity)، ولا تعني أن النظام غير قابل للفحص من جوانب أخرى.
- الصندوق الأسود المؤسسي: يشير إلى غياب الشفافية المتعمد من الشركات (إخفاء الشيفرة المصدرية، بيانات التدريب، معايير الاختبار). هذا ليس قدراً تقنياً، بل اختياراً تجارياً واستراتيجياً.
- الصندوق الأسود القانوني (المغالطة): هو الانتقال غير المشروع من النوعين السابقين إلى نتيجة قانونية مفادها استحالة المساءلة. وهذا تحديداً ما يتولى هذا المشروع البحثي تفنيده.
النموذج ليس "أسود" بالكامل. فمدخلاته ومخرجاته وبيئة تشغيله وسجلاته كلها قابلة للفحص. إن تضخيم هذا الوصف التقني وتحويله إلى ذريعة قانونية شاملة هو الممارسة التي يجب كشفها. الصندوق الأسود وصف لصعوبة معرفية في نماذج محددة، لا حالة وجودية تجعل النظام "غامضاً بذاته".
تصنيفات الذكاء الاصطناعي ذات الأثر القانوني
لا يمكن بناء نظام قانوني للمسؤولية على مفهوم "الذكاء الاصطناعي" كمفهوم واحد موحد. يجب تصنيف الأنظمة وفق معايير تقنية تنتج آثاراً قانونية متمايزة:
- الذكاء الاصطناعي الضيق (ANI) مقابل العام (AGI): الضيق هو كل ما هو موجود حالياً، نظام مصمم لمهمة محددة. أما العام فهو افتراض نظري غير موجود. أي تشريع ينبني على فرضية "الذكاء الاصطناعي العام" هو تشريع قائم على وهم.
- الأنظمة الحتمية مقابل الاحتمالية: الحتمية تعطي نفس المخرج للمدخل نفسه. أما الاحتمالية فتُدخل عنصر عشوائية (Stochasticity) صممه البشر. هذه الاحتمالية لا تعني "حرية إرادة" للنظام، ولا تنفي السببية، لكنها تجعل الإثبات أكثر تعقيداً.
- أنظمة التعلم الخاضعة للإشراف وغير الخاضعة والمعززة: في كل حالة، يوجد قرار بشري حاسم هو منبع سلوك النظام. حتى "المفاجآت" في التعلم المعزز تقع داخل فضاء صممه الإنسان.
- الأنظمة المستقلة تشغيلياً: بين الحقيقة والخطاب: يجب التمييز بين "الاستقلالية التشغيلية" (Operational Autonomy) و"الاستقلالية المعيارية" (Normative Autonomy). الأنظمة الحالية لا تملك الثانية.
تشريح القرار الخوارزمي – من المدخل إلى المخرج
لتجسيد الأطروحة المركزية القائلة بأن "القرار الخوارزمي هو محصلة قرارات بشرية"، يجب فتح "الصندوق" لا كغموض بل كسيرورة زمنية ومؤسسية. كل نظام ذكاء اصطناعي يمر بخمس مراحل، في كل منها يتخذ بشر وخيارات محددة قابلة للتحديد والمساءلة:
- مرحلة جمع البيانات ومعالجتها: اختيار مصادر البيانات، تنظيفها، وتنسيقها، وتقسيمها. كلها قرارات بشرية تؤثر مباشرة في سلوك النموذج النهائي.
- مرحلة تدريب النموذج وضبط المعاملات: اختيار بنية النموذج، دالة الهدف، وضبط المعاملات الفائقة. هذا ليس قدراً؛ إنه اختيار هندسي.
- مرحلة التحقق والاختبار: اختيار مقاييس الأداء، اختبار السيناريوهات المتطرفة، وتحديد عتبة القبول. قرار عدم اختبار حالات معينة هو إهمال.
- مرحلة النشر والتشغيل: قرار النشر نفسه، تحديد بيئة التشغيل، توفير التحذيرات والتعليمات.
- مرحلة المراقبة والتحديث: مراقبة الأداء، اتخاذ قرار التحديث أو السحب، توثيق التغييرات. إهمال المراقبة هو إخلال بواجب مستمر.
"القرار الخوارزمي" ليس وحدة بسيطة مفاجئة تنبثق من غموض الآلة. إنه سيرورة طويلة من الاختيارات التقنية والتجارية والمؤسسية. في كل حلقة منها يوجد فاعل بشري أو مؤسسي يملك السيطرة والقدرة على المنع. هذه السيرورة هي موضوع المساءلة، لا "الخوارزمية" كصندوق أسود.
المبحث الثاني: التحديد القانوني للذكاء الاصطناعي
إشكالية التكييف القانوني للذكاء الاصطناعي
إذا كان القانون المدني يميز تقليدياً بين "الأشخاص" و"الأشياء"، فإن السؤال يصبح: أين نضع الذكاء الاصطناعي؟ إن التكييف الذي نعتمده سيحدد مسبقاً أي نظام من أنظمة المسؤولية ينطبق.
أولاً: الذكاء الاصطناعي كشيء (Objet de droit)
هذا هو التكييف الأكثر بداهة. فالنظام الخوارزمي ليس إنساناً، ولا يملك إرادة، فهو شيء بالمعنى القانوني. وهذا التكييف يسمح بتفعيل ترسانة المسؤولية عن فعل الأشياء (حراسة الشيء) في القانونين الفرنسي والعربي. غير أنه يصطدم بصعوبات إجرائية يمكن تجاوزها بقرينة الحراسة المشتركة والتضامن.
ثانياً: الذكاء الاصطناعي كمنتج معيب (Produit défectueux)
هذا التكييف هو الأكثر رواجاً في المقاربات الأوروبية الحديثة. البرمجيات، رغم أنها غير مادية، اعتُبرت تدريجياً "منتجات" في ظل التوجيه الأوروبي 85/374. والميزة الكبرى هنا هي المسؤولية الموضوعية (لا حاجة لإثبات خطأ)، مع إمكانية مقاضاة أي طرف في سلسلة التوريد. والصعوبات تتعلق بتعريف "العيب" في منتج احتمالي وبأثر التحديثات المستمرة.
ثالثاً: الذكاء الاصطناعي كأداة تنفيذية (Instrument)
هذا هو التكييف الذي يتبناه هذا المشروع كأساس فلسفي. فالنظام ليس مجرد "شيء" سلبي ولا "منتجاً" استهلاكياً فحسب، بل هو، في عمقه، أداة بيد فاعل بشري أو مؤسسي. الأداة ليست مسؤولة؛ المسؤول هو صانع الأداة إن كانت معيبة، أو مستخدمها إن أساء استخدامها. هذا التكييف ينفي "الفاعل الخوارزمي" من الأساس، ويعيد توجيه السببية: لا تمر عبر "قرار" الخوارزمية كحلقة مجهولة، بل عبر قناة تنفيذية شفافة إذا ما فُحصت السجلات.
نقد أطروحة "الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي"
هذه الأطروحة، التي يدعو إليها بعض الفقه، تقوم على حجج ثلاث تُفند جميعاً:
- الحجة الواقعية: "النظام يتصرف كفاعل". والرد: هذه استعارة. النظام ينفذ عمليات رياضية. وصفها بـ "القرار" هو إسقاط لخاصية بشرية على عملية ميكانيكية. القانون لا يبني أحكامه على الاستعارات.
- الحجة العملية: "الشخصية تسد فراغ المسؤولية". والرد: لا فراغ إلا إذا افترضناه. أدوات القانون المدني (التضامن، قلب الإثبات) كافية لضمان التعويض. بل إن منح الشخصية للآلة سيخلق فراغاً حقيقياً: إذ سيتملص البشر بحجة أن "الفاعل" هو الشخص القانوني الجديد.
- الحجة التاريخية: "القياس على الشخصية الاعتبارية للشركات". والرد: قياس مع الفارق الجوهري. الشركة يديرها بشر يمكن مساءلتهم. أما "الشخصية الخوارزمية" فستكون حجاباً لا بشر خلفه فعلياً عند اتخاذ القرار موضع المساءلة.
الذكاء الاصطناعي، في التكييف القانوني السليم، شيء ومنتج وأداة. وهذه الأوصاف الثلاثة متكاملة لا متعارضة. أما وصف "الشخص القانوني" فليس حلاً متقدماً، بل تراجعاً عن المبادئ الأساسية للمسؤولية المدنية: أنه لا مسؤولية إلا لبشر أو لمؤسسات يديرها بشر.
الذكاء الاصطناعي في مواجهة أركان المسؤولية المدنية
بعد حسم التكييف، نواجه الذكاء الاصطناعي بأركان المسؤولية التقصيرية الثلاثة:
- ركن الخطأ: الخطأ هو انحراف عن معيار السلوك المعتاد، ويفترض قدرة على الالتزام. النظام لا يملك هذه القدرة. "خطأ" الخوارزمية هو مجاز يعني "مخرج غير صحيح"، لا انحراف أخلاقي أو قانوني. يجب نقل البحث عن الخطأ إلى البشر: خطأ المطور في التصميم، خطأ الناشر في النشر، خطأ المستخدم المهني في الاعتماد الأعمى.
- ركن الضرر: لا إشكال في نسب الضرر المادي إلى فعل النظام. الإشكال ليس في الضرر، بل في الفعل والسببية.
- ركن العلاقة السببية: هنا مكمن الخلط. السببية القانونية ليست فيزياء دقيقة. إنها معيارية، تسأل: هل زاد هذا الفعل من احتمال الضرر زيادة معتداً بها؟ وهذه تثبت دون عزل رياضي لكل متغير.
عبارة "القرار المستقل للنظام" توهم بأن سلوك النظام لا يمكن رده إلى أي إنسان. وقد أثبتنا تقنياً أن هذا غير صحيح: النظام ليس مستقلاً عن تصميمه ولا عن دالة الهدف ولا عن بياناته. "القرار" ليس اختياراً إرادياً، بل حصيلة عمليات رياضية.
مبدأ "كل قرار خوارزمي هو امتداد لقرار بشري" – تأصيل وتطبيقات
من كل ما سبق، نؤصل مبدأً مضاداً:
كل مخرج خوارزمي، مهما بدا ناشئاً أو غير متوقع، هو نتيجة ضرورية لاختيارات بشرية ومؤسسية سابقة يمكن تتبعها وتحديدها ومساءلتها.
يستند هذا المبدأ إلى الحتمية التقنية (النظام الحاسوبي آلة حتمية عند مستوى التنفيذ، حتى العشوائية مبرمجة) وإلى نظرية الفعل المؤسسي (المسؤولية في المجتمعات المعقدة يجب أن تستوعب القرارات التي تتخذها مؤسسات عبر إجراءاتها). وتطبيقاته العملية ثلاث:
- تتبع القرارات: المحكمة، بدل التساؤل "هل أخطأ النظام؟"، تطلب تتبع سلسلة القرارات البشرية.
- افتراض السببية البشرية: الضرر يفترض ناتجاً عن خطأ في إحدى حلقات السلسلة، ما لم يثبت العكس.
- منع الدفوع المجازية: لا يُقبل دفع "النظام تصرف بشكل غير متوقع" كسبب للإعفاء، لأن عدم التوقع هو نتيجة قصور في الاختبار.
سلسلة الفاعلين البشريين والمؤسسيين – تحديد الأطراف
إذا كان كل مخرج امتداداً لقرارات بشرية، فإن التحديد الدقيق لأطراف السلسلة هو المهمة التطبيقية المباشرة للمبدأ:
- المطور والمصمم (Developer): يختار بنية النموذج، بيانات التدريب، دالة الهدف. يتحكم في حدود ما يمكن أن يحدث. مسؤوليته تقصيرية عن الخطأ في التصميم والاختبار.
- الناشر والمشغّل (Deployer): يأخذ النموذج من المطور ويطرحه في العالم. يتحكم في "قرار الدخول إلى العالم". مسؤوليته موضوعية (كحارس أو كمنتج) عن سلامة النظام وتحذيراته ومراقبته.
- المستخدم المهني (Professional User): الطبيب، المهندس، المحامي. يتحكم في "الحلقة الأخيرة" قبل إيقاع الضرر. مسؤوليته عن واجب التحقق المهني.
- المستخدم العادي (End User): غالباً ما يكون هو المتضرر. ولا يسأل إلا في حالات نادرة من الإساءة الجسيمة.
- الممول والمستفيد الاقتصادي: لا يشارك في التشغيل اليومي، لكنه يجني أرباح النظام. يمكن أن تمتد إليه المسؤولية بالتضامن في حالات الإهمال الجسيم.
خاتمة: من التحديد التقني إلى التكييف القانوني
خلص هذا المقال إلى أن الطبيعة القانونية للذكاء الاصطناعي لا تحتمل وصفاً واحداً جامداً، بل تتوزع على ثلاثة تكييفات متكاملة: هو شيء يخضع للحراسة، ومنتج تترتب عليه مسؤولية موضوعية عن عيوبه، وأداة تنفيذية بيد فاعلين بشريين. وأثبت أن وصف "الشخص القانوني" ليس تطويراً بل تقويضاً، وأن فكرة "الفاعل الخوارزمي" و"القرار المستقل" مجازان لا يصلحان أساساً للمسؤولية.
وقامت الحجة على أساس مبدأ جوهري: كل قرار خوارزمي هو امتداد لقرار بشري. وبهذا، ينتقل عبء المسؤولية من "الآلة" الغامضة إلى البشر والمؤسسات الذين صمموها ونشروها واستخدموها.
السؤال المفتوح: إذا كان كل قرار خوارزمي امتداداً لقرار بشري، فما هي أنظمة المسؤولية التقليدية القابلة للتطبيق؟ وما هي الذرائع التي تثار لتعطيلها؟ وكيف نوزع المسؤولية بين الأطراف؟
المراجع
أولاً: المراجع العربية
- الجبوري، أحمد. المسؤولية المدنية عن أضرار الذكاء الاصطناعي: دراسة مقارنة. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2024. (كتاب مطبوع)
- السنهوري، عبد الرزاق. الوسيط في شرح القانون المدني: مصادر الالتزام. القاهرة: دار النهضة العربية، 2019. (كتاب مطبوع)
- هرهاش، الحسين. "مدخل قانوني تأصيلي لفهم الذكاء الاصطناعي: نحو نظرية قانونية معاصرة للقرار الخوارزمي". منشور على منصة مجلة الذكاء الاصطناعي، 2025.
- سلامة، محمد. المسؤولية الموضوعية في القانون المدني: دراسة تأصيلية تطبيقية. القاهرة: دار الفكر العربي، 2020. (كتاب مطبوع)
- عبد الرحمن، إبراهيم. النظام القانوني للمنتجات المعيبة: دراسة مقارنة بين القانونين المصري والفرنسي. الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2018. (كتاب مطبوع)
ثانياً: المراجع الأجنبية
- Barfield, Woodrow, and Ugo Pagallo. Research Handbook on the Law of Artificial Intelligence. Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 2018. [رابط الناشر]
- Burrell, Jenna. "How the Machine 'Thinks': Understanding Opacity in Machine Learning Algorithms." Big Data & Society 3, no. 1 (2016): 1-12. [DOI]
- European Union. Regulation (EU) 2024/1689 Laying Down Harmonised Rules on Artificial Intelligence (Artificial Intelligence Act). Official Journal of the European Union, 2024. [EUR-Lex]
- Pasquale, Frank. The Black Box Society: The Secret Algorithms That Control Money and Information. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2015. [رابط الناشر]
ثالثاً: التشريعات والوثائق الرسمية
- التوجيه الأوروبي رقم 85/374/CEE المؤرخ في 25 يوليو 1985 بشأن المسؤولية عن المنتجات المعيبة، المعدل. [EUR-Lex]
- القانون المدني المصري رقم 131 لسنة 1948. [ILO]
- القانون المدني الفرنسي، المواد 1240-1245 (المعدلة بموجب الأمر رقم 2016-131 المؤرخ في 10 فبراير 2016). [Légifrance]
الشبكة المعرفية
ينتمي هذا المقال إلى شبكة معرفية متكاملة حول الذكاء الاصطناعي والقانون، نشرت ضمن مشروع "مجلة الذكاء الاصطناعي". يمكن تصفحه وفق المسارات التالية:
المسار العمودي: من التأصيل إلى التطبيق
- المتطلب الأساسي: مدخل قانوني تأصيلي لفهم الذكاء الاصطناعي
- المستوى الموازي: الأسس التقليدية للمسؤولية المدنية في مواجهة الذكاء الاصطناعي
- العمق التالي: تفكيك أسطورة الصندوق الأسود وبدائل المحاسبة (لم ينشر بغد)
المفاهيم المرتبطة أفقياً
- إشكالية تعدد الفاعلين وتوزيع المسؤولية (لم ينشر بغد)
- إشكالية الإثبات في منازعات أضرار الذكاء الاصطناعي (لم ينشر بغد)
- النماذج المقارنة في المسؤولية عن أضرار الذكاء الاصطناعي (لم ينشر بغد)